الغزالي

30

الرد الجميل لإلهية عيسى بصريح الإنجيل

سوء ، وفي القلب حسيكة « 1 » من ذلك في بادئ الرأي ، لكن الجمع على الممارس الفهم غير عسير . وبيانه : أن البرص / عبارة عن عرض ينشأ عن سوء مزاج يحصل بسببه تلزّج بلغم تضعف القوة المغيّرة عن إحالته إلى لون الجسد . ومعلوم أن بياض يد موسى عليه السلام ما نشأ عن سوء مزاج ، لأن كل أحد إذا ساء مزاجه على نهج ما وصفناه ، حصل له ذلك ، وإذا قويت القوة المغيّرة إحالته ، فحينئذ تذهب خصوصية الإعجاز . بل بياضها كان من قبيل المعجز الخارق . وشأن المعجز الخارق أن يكون مخالفا للمعهود المألوف ، وإلى هذا المعنى إشارة الكتاب العزيز بقوله : مِنْ غَيْرِ سُوءٍ . أي أن اللّه أقدر موسى على أن / يجعل يده برصاء من غير سوء ، وأن يردّها إلى لون جسده ، من غير قوة مغيرة ، ليحصل له بذلك خصوصية بإجراء المعجز الخارق المخالف للمعهود على يده . وإنما يكون معجزا مخالفا للمعهود ؛ إذا أتى بالمسبّب منفكّا عن سببه العادي ، الذي لا ينشأ إلا عنه ، ثم عبر عنه بالبياض الذي هو من لوازمه ، هذا جمع واضح . ومما يوهي معتقداتهم في هذه المسألة ؛ أن قاعدة الفيلسوف في النفس وتعلقها ، إن كانوا جازمين بثبوتها ، ومستند جزمهم حسن الظن بالقائلين بها ، وهم غير قادرين على الإتيان / ببراهينها ، ظنّا منهم أن القائلين بها قد اخترعوا من العلوم الخفيّة ، ما يرجع الفكر ناكصا عن إدراكها ، لخفاء مأخذها وصعوبة مبانيها . وأنّ من هذا شأنه تكون أقواله مبرّأة من الخطأ ، فيجب على هذا القائل أن يقلد الفيلسوف في أن النبوات مكتسبة ، وأن العالم قديم لا يقبل الكون والفساد ، وأن الباري لا يعلم الجزئيات ، وأن الواحد لا يصدر عنه إلا واحد ، وأن إله الخلق وجود مجرّد ، لم يقم بذاته علم ولا حياة ولا قدرة ، إلى غير

--> ( 1 ) الحسيكة : العداوة والبغض ، يقال : هو حسك الصدر على فلان . انظر : « النهاية في غريب الحديث والأثر » لابن الأثير ( 1 / 371 ) .